هيئة التحرير

إن هذه الكتابات ليست إلّا محاولة، اختبار، تمرّن على التفكير والقول والتأليف. محاولة لا تترفّع عن أهدافها. هي نصوص تحاول مقارعة بنية فكرية متّسقة بممارسات تؤمّن إعادة انتاج العلاقات الاجتماعية ضمن رأس المال، قد اصطلحها السابقون بالأيديولوجيا. لكنها مقارعة ليست بعشواء، بل تتخذ من روح عصر ما بعد الحقيقة خصماً أساسياً لها. فإن ما اُستلب منّا في عصرنا هذا هو امكانيتنا على اكتشاف وإرساء الحقيقة، لتغدو أسيرة تجارب مختبرية لا تفيد إلّا التطبيق ومعيارها الأساسي الإنتاجية لسيطرة مراكز رأس المال عليها. وموت الحقيقة لم يكن إلّا ضرب من تدبير اغترابنا، استلاب قدرتنا على انتاج الحقيقة لتنغلق دائرة السلب ويستبعد السالب فيترسّخ اغترابنا ونتقبّله كواقع طبيعي. لنصبح مدافعين عن غياب الحقيقة بحجة منع هيمنة سرديّاتها، فنؤمّن بذلك ديمومة تلذذنا بتكرار حروب اختلاف المعاني وصراع الهويات الصنمية التي لا تضمن لنا إلّا وهم نفي الاغتراب. م

وحقيقة دوام السالب تستوجب استمرار النقض لقدرته على إظهار البنى التي تشكل ذواتنا وتشير للفائض المسلوب الذي به ننتج العالم وبه نعيد إنتاج ذواتنا. إن نقض الموضوع هو نقض يسعى للتحرّر لكنّه على عكس الذات المتعالية لا يوهم بالاستقلال المطلق عن التحديدات الموضوعية المادية. بل ينغمس في محاولة اكتشاف توترات موضوعية لتكون له وسيطاً في الاختبار المنشغل بإيجاد إمكانية التحرر في الطريق نحو صناعة الذات. ويكون العلم الذي فيه وحدة النظرية انعكاساً لضوء الموضوع فيستنير صراعنا ليصبح نقدياً. ههنا يقع الفيصل بين ممارسة تريد “التغيير” كمقولة مجرّدة مشبعة بالغموض يتأمّل فيها الانسان احتمالات ولادة قيصرية، وبين ثورة الذات الشيوعية كنتيجة لممارسة هدم وبناء منهجية مستنيرة بالتحديدات الموضوعية، تصنع فيها الذات امكانيات الانعتاق عن قيودها. فنرسّخ العلم من أجل التحرر محاولين إقامة الوحدة بين النظرية والممارسة ليكون الصراع نقدياً يلوح في أفقه إمكانية الانتصار.م

وكما أردنا لمضمون الكتابات أن تكون متّجهة نحو التاريخ فكذلك أردنا شكلها. إن هذه النصوص تمرّن على تفكير وقول وتأليف ذلك العلم باللغة العربية. وفي هذا اختبارٌ نعيد الوصل فيه مع من سبقونا عليه. ولنكتشف في اختبارنا إمكانيات جديدة تمكّننا من غرضنا العلمي وتكون أداةً مُلك من لقى فيها نفعاً. وفي هذا التمرّن أيضاً هدف ما بعد قومي، هو نقض لانغلاق أفق التاريخ أمام موقع ذاتنا. نقيض لسرديّات موتنا وموت كل ما يشكّلنا. نقض فكرة أنّنا قد استنفدنا إمكانيات القول في الصراع. فبالممارسة اللغوية تختبر هذه النصوص إمكانية التحرر من واجب الاحتكام للخصوصي، ولو تلثّمت بأيديولوجيا نقد الاستعمار، إصراراً على الانتقال نحو الكليّة.م

ــ يسار قيد التشكل